الخطيب البغدادي

227

تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار )

حدثني عبيد الله بن أبي الفتح ، قال : أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن ، قال : حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن السكري ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي سعد الوراق ، قال : حدثني علي بن الحسن بن عبيد الشيباني ، قال : حدثني هارون بن سعدان ، قال : كنت جالسا مع أبي نواس في بعض طرق بغداد ، وجعل الناس يمرون به ، وهو ممدود الرجل بين بني هاشم وفتيانهم والقواد وأبنائهم ، ووجوه أهل بغداد فكل يسلم عليه فلا يقوم إلى أحد منهم ولا يقبض رجله إليه ، إذ اقبل شيخ راكبا على حمار مريسي وعليه ثوبان ديبقيان قميص ورداء قد تقنع به ورده على أذنيه ، فوثب إليه أبو نواس ، وأمسك الشيخ عليه حماره واعتنقا وجعل أبو نواس يحادثه ، وهو قائم على رجليه فمكثا بذلك مليا حتى رأيت أبا نواس يرفع إحدى رجليه ويضعها على الأخرى مستريحا من الإعياء ، ثم انصرف الشيخ ، وأقبل أبو نواس فجلس في مكانه ، فقال له بعض من بالحضرة : من هذا الشيخ الذي رأيتك تعظمه هذا الإعظام ، وتجله هذا الإجلال ؟ فقال : هذا إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية ، فقال له السائل : لم أجللته هذا الإجلال ؟ وساعة منك عند الناس أكثر منه ، قال : ويحك لا تفعل ، فوالله ما رأيته قط إلا توهمت أنه سماويٌّ وأنا أَرْضِيٌّ . أخبرنا علي بن الحسين صاحب العباسي ، قال : أخبرنا علي بن الحسن الرازي ، قال : أخبرنا الحسين بن القاسم الكوكبي ، قال : حدثنا ابن أبي سعد ، قال : حدثني محمد بن عبد الرحمن بن معاوية المهلبي ، قال : حدثني أبو تمام ، قال : يكتب من شعر أبي العتاهية خمسة أبيات ، فإن أحدا لم يشركه فيها ولا تهيأ لاحد مثلها قوله : الناس في غفلاتهم ورحى المنية تطحن والذي قال في أحمد بن يوسف : ألم تر أن الفقر يرجى له الغنى وأن الغنى يخشى عليه من الفقر